البغدادي

53

خزانة الأدب ولب لباب لسان العرب

وقد أحببت أن أوردها هنا منتخبة مشروحة بشرح يوفّي المعنى ، محبّة في النبي صلى الله عليه وسلم ، وهي هذه « 1 » : خليليّ ما أذني لأوّل عاذل * بصغواء في حقّ ولا عند باطل « 2 » « بصغواء » : خبر ما النافية وهي حجازية ولذا زيدت الباء . والصّغو : الميل . وأصغيت إلى فلان : إذا ملت بسمعك نحوه . و « لأول عاذل » : متعلّق بصغواء . و « في حقّ » متعلق بعاذل ، أي : لا أميل بأذني لأوّل عاذل في الحق ، وإنما قيّد العاذل بالأوّل لأنه إذا لم يقبل عذل العاذل الأوّل فمن باب أولى أن لا يقبل عذل العاذل الثاني ، فإنّ النفس إذا كانت خالية الذهن ففي الغالب أن يستقرّ فيها أول ما يرد عليها . خليليّ إن الرّأي ليس بشركة * ولا نهنه عند الأمور البلابل أراد أنّ الرأي الجيد يكون بمشاركة العقلاء ، فإن لم يتشاركوا : بأن كانوا متباغضين لم ينتج شيئا - والرأي ما لم يتخمّر في العقول كان فطيرا . و « النهنه » بنونين وهاءين كجعفر : المضيء والنيّر الشفّاف الذي يظهر الأشياء على جليّتها ؟ وأصله الثوب الرقيق النسج ، ومن شأنه أن لا يمنع النظر إلى ما وراءه ، وهو معطوف على شركة .

--> ( 1 ) القصيدة مطولة هي في أول ديوانه نسخة الشنقيطي ؛ والسيرة النبوية 2 / 272 - 280 ؛ والروض الأنف 1 / 173 ؛ والبداية والنهاية 3 / 53 . ويقول ابن سلام في كتابه طبقات فحول الشعراء ص 244 عنها : " وكان أبو طالب شاعرا جيد الكلام ، وأبرع ما قال قصيدته التي مدح بها النبي صلى الله عليه وسلم وهي : وأبيض يستسقي الغمام بوجهه * ربيع اليتامى عصمة للأرامل وقد زيد فيها وطولت . رأيت في كتاب كتبه يوسف بن سعد صاحبنا ، منذ أكثر من مائة سنة ؛ وقد علمت أن قد زاد الناس فيها ، فلا أدري أين فتهاها . وسألني الأصمعي عنها فقلت : صحيحة جيدة . قال : أتدري أي فهاها ؟ قلت لا أدري " . ويعلق المرحوم عبد السلام هارون على هذا الخبر في الخزانة 2 / 59 : " ونص ابن سلام محرّف غير معقول ، أن يصاحب من ألّف كتابا منذ أكثر من مائة سنة ، ولعل صوابه " وهي أكثر من مائة بيت " . ويعلق العلامة محمود شاكر محقق كتاب طبقات فحول الشعراء على قولة ابن سلام بقوله ص 245 : " وقوله صاحبنا ، يعني ابن سلام الجمحي أنه جمحي مثله في النسب . وكذلك هو كلامهم " . ( 2 ) هذا البيت والذي يليه خلت منهما السيرة النبوية .